ترن ترن... مين عالباب؟... أمن دولة! افتح!
دقائق قليلة... تلك التي مرت منذ خروجي من المسجد ووصولي إلي بيتنا، وأنا أقطع تلك الثواني أردد ترنيمة حبيسة الصدر...
بعد دخولي المنزل، ذهبت أبحث عن تلك الكمثرى التي وضعتها في الثلاجة -وفي رواية أخرى المبرد وفي رواية تاسعة ريفريجيريتور- لكي تبرد، ونصيحة من الشيف عبدو: أجمد فاكهة الفاكهة الساقعة.
يا للهول!

وجدت تلك الثمرة الباردة ترقد في سلام في ذلك الركن الذي تركتها فيه... الجو حار قليلا لكنه لا يوحي بأية مفاجآت علي الإطلاق، ومن ذا يريد مفاجآت بعد أن قضي يومه بين التمشية مع الأصدقاء، والحديث عن "الروم" الذين احتلوا مسجد محمد علي -علي رأي
تتوالى المشاهد والأحداث المملة بذات الرتابة، بإيقاع بطيء وهادئ بعد يوم مزدحم وليلة -الجمعة 17 أغسطس- لم أستخلص منها سوى 90 دقيقة حاولت فيها إراحة هذا الجسد المتعب، وذاك القلب الذي لا يهدأ، وذينك العقل الذي لا يهدأ -برده! شوف البلاغة-.
تكتمل الحلقات تباعا... "ترن ترن" أحدهم يرن جرس الباب، كانت رنة هادئة خفيفة مهذبة للغاية، حتى أني استبعدت أن يكون كريم ابن جارنا قد أتى يطلب الملح كرة أخرى... ولكنها -رنة الجرس- كانت أيضا باردة كالثلج، غامضة لا توحي بأن هذا الطارق "من النوع الحلوف"...

افتح الباب! أرى أمامي ثلة من الجنود والعسكر، يتقدمهم من يفوقهم رتبة وخيلاء وحاجات تانية كتير.
لم يكن الأمر بحاجة إلي مزيد من الذكاء، ولم أكن في حاجة إلي مزيد من الوقت كي أفهم ما يدور... إلا أنني بكل سذاجة وبراءة ولا مبالاة، وفي محاولة جادة للاندهاش سألت: مين عالباب؟
هو: الرائد محمد، من أمن الدولة، معانا أمر بتفتيش البيت.
أنا: مش عيب، بس فين التصريح.
هو: التصريح ده تروح تاخده منهم هناك.
أنا: هناك فين؟
هو: في أمن الدولة، ممكن ندخل؟!
أنا: أيوة طبعا، تنوروا! بس فيه ناس نايمة، هأصحيها وبعدين تتفضلوا.
كما هي العادة، كدت أغلق الباب، ولكنه عاجله بقدمه التي حالت دون انغلاق الباب، ويردد في قليل من العنجهية، وكثير من الغرور، ومزيد من الطغيان: الباب ده مش هيتقفل.
أنا: طب بس أصحي الناس.
هو: صحيهم، إحنا واقفين هنا.

تلخصت الحالة الديموغرافية للأسرة في الآتي: مامي -اللي بقول لها أماه- نائمة من فرط الإجهاد والتعب، سوما خارج المنزل، زلازيلو -يعني عمار بس بالزيزا- يستفرج علي التفلزيون، فاطمة وآية ومريم وعلي يلعبون.
بكل بساطة ناديته: عمار، صحي أماه.
يأتي عمار يسبقه صوته الهادئ: هوا مين عالباب؟
أنا: لا مفيش، أمن الدولة، جايين يمسوا علينا.
ازدحمت عدة مشاعر داخله وانعكست علي صفحة وجهه المشرق: أهي الفخر بهذا الموقف الذي لا يتعرض له إلا كل حر وكل شريف، أم تراها الخنقة من هذا القرف، أم عساها لحظة انتظرناها طويلا.
تختفي من علي وجهه شبح ابتسامة يتيمة كادت تصفي عكارة هذا الموقف الذي كان من المفترض أن يكون كئيبا.
تأتي أمي مسرعة وتعلم الخبر...
قشدة عليكمو...
روى الوائد محمد عن زغلول في أمن سلطة مصر أن الحاج دادي -اللي بقول له أبي- بقى من النوع اللي هو "معتقل سياسي"، وحضراتهم بقى تاعبين نفسهم وجايين يفتشوا الشقة؛ عشان يستأكدوا إن ما فيهاش حاجة تضر بأمن أو سلامة أو حسين أو سعدية الوطن.
من الساعة تمانية ونص وحتي قرابة العاشرة والربع، ونحن ما بين جري وراء هؤلاء المغاوير، وبين المحاولات الغبية لإقناعهم بأن تلك الأشياء ليست ذات أهمية لهم، ولكنك في قرارة نفسك تعلم أكثر من أي أحد -وسبت- أن الهدف ليس مجرد التأكد من أنك لن تضر بسلامة الوطن -ألا هو بالمناسبة مين سلامة ده؟ يكونش قريب الريس من بعيد وإحنا مش واخدين بالنا؟-، الغاية ليست مجرد إزعاجك وانتهاك حقك في بيت آمن، وفي حياة مستقرة، ليس من المناسب أن "يمنحوك" جوا طبيعيا تأمن فيه علي أطفالك من وحشية هؤلاء، وتحمي أرواحهم البريئة من قسوة مشاهدة جثثهم الهامدة تتحرك... ومع كل حركة تستشعر وخز خناجرهم التي تتوالى...
خناجر متواصلة، تقتل في داخلك كل شيء كان له في يوم من الأيام لون أو طعم أو رائحة، ولكنهم يقصدون: فالقمع في الصغر كالنقش علي الحجر.
تدرك أن الهدف أكبر من مجرد إيلامك، يريدون ما هو أكثر من معاقبتك وكل أهلك علي اختيارك وعلي قرارك الغبي...
الغاية أن يموت الإنسان... أن تفقد كل الأزهار عبيرها، أن تفقد أقواس القزح ألوانها، أن تنسى يداك ملمس الرمال الناعمة التي كنت تخط عليها وجوه من تحب يوما من الأيام، أن تجف عينيك من دمعة رحمة أو حب أو وفاء، أن تيأس روحك من التطلع إلي آفاق أرحب تسع هذا العالم ومن فيه، أن يعجز قلبك عن الشعور بحب أي إنسان في هذا المكان، الغاية أن يضل الحلم طريقه إلي عالم الواقع في فيافي التيه المظلم التي صنعها أولئك الظلمة الظلاميون، فما الظلم إلا ظلمات بعضها فوق بعض.
مرادهم أن تتدنى همتك، فهمتك تهمتك، وحُبُّك دليل الاتهام المحبوك، فحرارة روحك الأبية تؤذي برد قلوبهم...

أقل من ساعتين أو أكثر، ربما، دقائق معدودات...
بس تصدقوا إننا كنا وحشين خالص مالص، يعني جنود مصر البواصل جايين في مهمة قومية من أجل أمن الوطن، ومن أجل تفتيش بيت أحد أخطر المجرمين الذين عرفهم التاريخ: أبويا، أصله للأسف دكتور في الجامعة، وأصله -نتيجة الحظ الأكثر ميلا من برج بيزا- بني آدم حر بيعلم ولاده إزاي يخلوا بلدهم أحسن، إزاي يقدروا يغيروا العالم ده كله، إزاي يحبوا الناس والدنيا اللي عايشين فيها، إزاي إن ليهم صوت لازم يطلع، وعقل لازم يفنكر، وقلب لازم يحب...
تهمة بشعة طعا، بس الأبشع اللي إحنا عملناه معاهم... كفاية يا شيخ إننا استلمناهم -أنا للأسف- تريقة وإفيهات من أول ما دخلوا فيا حبة عيني أعصابهم باظت والمهمة القومية اتهزت، وبعدين غلط شنيع إني أحاول أكلم بتوع القوات الخاصة عن يعني إيه أركان الإسلام وإن هي الأساسات بتاعة البني آدم في حياته، لكن هي مجرد البداية، لإن العمارة لسا ما طلعتش، كده غسيل مخ يا حضرت، وبعدين معاكم بقى: غسيل مخ وغسيل أموال، كده الدنيا بقت ملزقة أوي.
طب بلاش دي، يا عم كفي بكم جرما إنكم جبتوا لهم كانز عشان يشربوا ويظبطوا، ويؤدوا مهمتهم التاريخية التاريخانية البتنجانية علي أكمل وأحسن وأفضل وأشرف وحسين ولطفي وتوفيق ومزروق... والله حرام عليك اللي عملته ده، أصلهم فتحوا الدرج بيتاعي فلقوه مليان مصاصات تشوبا تشوبس، وشوكولاتة، وشوية حاجات، طبيعي إنك تديلهم منها، بس ما كانش ليها لازم تديهم شوكولاتة باشيونال، عيب يعني.
ثم يا ولد يا عمار يا قليل الرباية، إزاي لما سعادة البيه -خلوها الباشا- يسألك "هو إنت الزلزال المسلم؟" تقوله "مش إنتوا الحكومة عارفين كل حاجة"، ما ترد علي البيه -الباشا يعني- عدل يا أيها القلة.
لأ وإيه، أضحككم، عمو الوائد -المفروض بيقولوا عليه رائد، وهو فعلا رائد: ريادة في الوأد- مامتي كانت بتحكي له إن أنا كان حصلت لي حادثة وكده وبناع ولبان بالنعناع، بس هو كان عارف! لأ وإيه كمان، طلعني أنا وأخويا من الأودة، وقال لمامي -اللي بقوللها أماه- ما هو آت: سيبك من ده كله، حادثة إيه؟! بيني وبينكم كده الحادثة دي إنت عارفة إنها ما حصلتش ولا حاجة، وعبد الرحمن ده مش صغير... وقعد يحكي لها قد إيه انا خطر علي أمن هذا البلد بأفعالي الفظيعة، وأخذ يكلمها عن حاجات المفروض إن أنا اللي بعملها، وماسك إيه وبعمل بيه وشغال فين وأي هتش في أي حتة، قالها حاجات كتير بس هو كان ناقص يقول لها إني أنا المرشد كمان بس مستخبي، عادي يعني هي اللغة العربية أحسن مننا في إيه؟، عندها ضمير مستتر، وإحنا عندنا مرشد مستتر، ومحدش أحسن من حد -ولا سبت حتى-.

وأنا اللي كنت قاعد إمبارح بعمل سيديهات عشان أديهم هدية لدادي -خلاص بقى، ما قلنا أبي- بمناسبة العربية الجديدة، بس أساسا كان فيه مشكلة منهجية: وهي إننا أصلا مش وش عربية، ما نستاهلهاش.
أم هند، إحنا أصلا كنا مسافرين بكرة -اللي هو النهارده 18 أغسطس- الساحل الشمالي، بس يللا خيرها في غيرها... وكمان في هنا بقى مشكلة منطقية: إزاي نبقى إخوان ونصيف في البحر زي بقيت مخاليق ربنا، ده اللي والدك علمهولك يا قليل الحيا! لازم نستضيفكم عندنا نصيف سوا: كلنا مع بعض، وفي مكان ولا أروع: طرة لاند.
بس علي الأقل، أتاحت هذه الحملة القومية لمكافحة محبي البامية باللمون فرصة سعيدة إني أدي لعلي ومريم الهدية بتاعتهم، أصلي كنت فاكرنا في بلد ممكن نصيف فيه، فجبت لأختي الصغيرة مايوه، وحبيت أغير فجب لأخويا الصغطوط -فيه فرق علي فكرة- حاجة مختلفة: مايوه.
في هذه اللحظة التاريخية -منتصف ليلة الجمعة 18 أغسطس-، أبويا في مكان ما من مقرات أمن السلطة -اللي سعات بيدلعوها أمن الدولة- المنتشرة في كل ربوع مصر (المخروسة - المفروسة - المحبوسة) اختر الأصح مما سبق من وجهة نظرك بس أوعي تقول لحد -أو سبت- علي اختيارك، أصلها تبقى وجهة نظر، وبعدين ده تشويه لصورة مصر وإزدراء للبتنجان المخلل والكوسة بقرع العسل: رمزا العدالة في مصر.
مريم وعلي في البانيو بيلعبو ابالمايوهات -أو خدها، مش هتفرق- الجديدة... مامي وزلازيلو وسوما وفطوما وأيوي في انتظار عرض أبي ومثوله أمام العدالة المطلقة ليدفع ثمن ما اقترفته يداه من إصلاح في هذا الوطن... يا إخواننا حد يناد صلاح!
نقفل بإيه؟
عملت كليب صوتي صغير، وفي إنجاز تاريخي غير مسبوق، استركيس صاحبي من المريخ زارني إمبارح وجاب لي معاه هدية: كان مسجل لي كل حاجة حصلت تقريبا، من أول ما وطئت أقدام هؤلاء البؤساء بيتنا الطاهر، وحتى اللحظة التي غادروه فيها.
بس هتلاقوا أجزاء هتحتاجوا تعلوا صوتها عشان كان واطي شويتين، حاولت أعالجه علي قد ما أقدر، يللا مش مهم!
حاجة أخيرة...
أيها الشعب،
ادعوا لنا... ادعوا لنا بالصبر، ادعوا لنا بالثبات، ادعوا لنا بالرضا، ادعوا لنا إننا نفضل بشر، نفضل نحب بلدنا، ادعوا لنا إننا نعيش ونحيا عشان البلد دي تبقي أحسن، ادعوا لنا إننا نموت عشان البلد دي تبقي أحسن، وأهل البلد دي يبقوا أحسن...

إلي كل عيال العادلي ومبارك، ما عاد لي إشي أجوله غير إن لينا يوم، في الدنيا قبل الآخرة... ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون: اللي هما إنتم منك له له له.
إنسى يا حسني، مش هننسى!
يا حسني، وآل حسني، وعبيد حسني، وقوم حسني، وهامانات حسني:

إنتوا عارفين نهايتكم كويس، وعارفين نهاية الفيلم... شايفين الأرض اللي عايشين عليها دي؟
عمرها طويل قوي! يا ما شافت نفس الفيلم بيتعاد وبيتكركر... الأشخاص بيتغيروا، الأماكن بتتبدل، الأفكار بتتحول، والزمن بيمر...
لكن بتفضل نفس القصة: قصة الخير والشر، قصة الحق والباطل، قصة النور والظلام، قصة الحرية والاستبداد...
ده فيلمنا معاكو الصيف ده، ودي مجرد بداية القصة من تاني... يا مسهل!
|
























