في يوم قلت آه...!

آه
...
أتأوه من الوحشة
أشكو من الوجع
...
وأئن من الألم
أشكو
...
أشكو وما من الشكو بد
ولا والله ما لغير الإله أبوح
بشكوي وشوكي ووجدي
…
رحت أشكو فشكوت للشكو شوكي
فشاكني الشكو وشكا للشوك شكوي
أشكو
...
فأنا
-ويا للمفاجأة-
إنسان!
إنسان
حر لست بأسير
...
أنا
إنسان
أسير في طريق
هذا عني
أما عن الطريق
...
فهو
طويل
...
موحش
مظلم
...
مليء بالشوك
...
معتم!
لا تكاد تلمح في نهايته ذاك الأمل
إنه النور الذي يخطف الأبصار
ويذهب بالقلوب
...
الحلم
أتطلع إليه بلا نهاية
بلا ضيق أو سأم
بلا ملل
…
ذاك الحلم
أتأمل هذا الفضاء السرمدي
...
مظلم هو
...
لكنه جميل
وبلا نهاية أيضا
يا ترى
…
هل كان لي أن أراه بهذا الجمال
بهذا الاتساع
وبهذا العمق
لو كان مضيئا؟!
أراني في هذا الفضاء
-علي ظلامه الكالح-
حرا
بلا نهاية
ربما
لأني أراه
بلا نهاية
ربما
لأنه حقا
بلا نهاية
أو أن النهاية
أصبحت فيه
بلا بداية
بلا نهاية
!
سبحت بخيالي
بعيدا عن هذه الأرض
...
مبتعدا عما يسمونه
"شاطئ الأمان"
...
هكذا اعتادوا
...
هكذا قيل لي
!
إن قلبي لا يحمل أي عاطفة لذاك الشاطئ
لا يملك عقلي أية ذكرى عنه سوى أنه كان
…
شاطئ الموت
…
فهو الشاطئ
الذي ماتت عليه
كل الأحلام
بل وأدها بقسوة
اغتال براءتها
...
رفض أن يمنحها نور حياة
أو بصيص أمل
قررت السفر بعيدا
اتفكر فيما مضى
...
ألملم الجراح
أحث الخطى نحوه
...
الحلم
...
أصنع من طيف أشلاءه
حلما جديدا
شروقا متألقا
لست انتظره يا إلهي
بل بحولك سأصنعه
...
في هذا الفضاء
هذا الفضاء
الذي يعشقه كل أحد
فهو مثير
...
هذا الفضاء
الذي يبغضه كل أحد
فهو مجهول
أما أنا
...
أراه مثيرا
لأنه مجهول
ربما لأنه
لا يدري أحد ما هو
!
يستطيع كل إنسان أن يداري فيه دمعته
ينسى ألمه
ينسج فيه أسطورته وحلمه
كما أراده
كما تخيله
وهذا سر الجمال
هذا سر الحياة
...
الحلم
...
ربما
...
تصطدم قدمي بصخرة...
شيء يخترق يدي
يخيل إلي من ألمها أنها شوكة!
عجيب أمرك أيها الفضاء
شوك وصخور!
ثم انتبهت
...
وجدت قدمي ما زالت علي هذه الأرض
!
آه
يا إلهي
قد سبح بي خيالي بعيدا
...
بعيدا جدا
لكن
...
لم يكن
جسمي بنفس الرشاقة
...
يا للأسف
اعذرني أيها الحلم
فأنا
بلا أجنحة
...
أنا
مجرد إنسان

لكني ما زلت
علي جمر الحلم قابضا
ما زلت
علي شوك الطريق ماضيا
...
أعني يا إلهي

نعم
ولابد للميلاد من مخاض
...
علمتني أمي
أن المخاض
...
آه
ما المخاض إلا
وآلام
عرق
ودموع
وصرخات
…
وابتسامة
!

بسمة ثقة
في إنسان أفضل
في عالم أفضل

في قمر ينير الدرب للنجوم
التي ضلت الطريق
كي تعود من عالمها البعيد
كي تستعيد بريقها ولمعانها
وتعود إلي عالمنا
فتملأه نورا وحبا
...
من جديد

ولكني
قررت ترك هذه الأرض
بشوكها وأشواكها
بصخبها
وعبثها
وضيقها
وألمها
...
كتمت آهاتي
وحملت أشواقي
إلي هناك
...
سافرت في بحر الحياة

هو كالفضاء
حالك السواد
بلا حدود
بلا قيود

سافرت
...
استلهم من ظلام السماء نورا
يضيء لي الطريق
...
استمد من برودة الماء نارا
تذيب لي الحديد
...
هو عزمي
هي همتي
وطموحي
...
فانطلقت أبدأ من جديد

سافرت
...
أكتشف عمق الحياة
أرقبها في أجمل ألوانها
أسمعها في أعذب نغماتها
أسابق ضوء القمر

سافرت
...
ألاحق الشمس
أرقب غروبها فَرِحَا
...
فما الغروب عندي
إلا فجر جديد

سافرت
أرى الدلافين تجتمع في قطعان
ترسم في حركتها
أسمى أشكال العرفان
...
تلحظ في انطلاقتها
نغمة الإيقاع الجماعي
وعبقرية إبداع الفرد
سافرت
انتظر نجمة
-بل قمرا-
ما زالت علي الشاطئ
أراها من بعيد
...
أرسل لها مع الريح حبي
ابثها شوقي
ليوم يجمعنا فيه الطريق
نقطعه معا
نكون لبعضنا خير رفيق
...
ألمح عن بعد
سلحفاة وئيدة الخطى
وأسمع في صدري
وقع الصدى
إنها ضربات قلبي اللاهثة
تتردد
بل هو الأمل
يتجدد
...
فأستعيد صورة الحلم البعيد
أجد علي لساني مذاقا ليس يوصف
...
وألمس جروح الماضي
قد اندملت
وأرى دموع العين قد مسحت
بأنهارها الآلام
فليس بعد الوصول حزن أو كبد
أو ضيق أو نكد



